الأديب محمد البيضاوي الشنقيطي تواصل فكري وحضاري
محمد البيضاوي الشنقيطي هو العلامة الاديب محمد البيضاوي بن سيد عبد الله بن محمد بن أمانة الله الجكني الشنقيطي الذي عز نظيره في العلم والأدب والشعر الفصيحي والنبطي. فهو بحق علم من أعلام الشعر والنقد ، لا يبارى في سبك الشعر وصياغة أسلوبه ومضامينه الحية ، فهو رائد من رواد الادب والشعر المعاصر ، وهو ما يسمى ضمن طبقته بالإحيائيين الذين راعوا الماضي بأسلوب معاصر ومضامين جديدة تتماشى مع الحضارة ، وأسلوب الحياة المعاصرة والمتجددة. وقبل أن نتمكن في الكلام على شاعرية هذا الأديب نجد أنفسنا تتساءل عن ماهية شخصية هذا الرجل ؟ ، وكيف كانت شاعريته ؟ ، وما هي أهم سمات مضامينه الشعرية ؟ ، وهذا ما سنحاول الإجابة والتعرف عليه ، من خلال إعطاء لمحة من لمحات شخصية العلامة الاديب ، وتسليط الضوء على نموذج من إنتاجه ، وبعض أعماله ألأدبية، وذلك من خلال نظرة إلى عنصرين اثنين : العنصر الاول: في ترجمة الاديب محمد البيضاوي ، والعنصر الثاني: أحاول فيه بعض الامكان تسليط الضوء على بعض إنتاجه العلمي، والثقافي. فقد كانت شخصية محمد البيضاوي تنازعها عوامل مشتركة بين العلم والثقافة ، فقد كان أديبا ، شاعرا ، عالما ، كاتبا ، خطيبا ، ومدرسا ، بالإضافة إلى أنه كان يتقلد بعض الاعمال التي جعلته يبرز في محيطه الثقافي والأدبي. فقد كان يجيد اللغة الفرنسية ، فأحرزته إلى التمكن من الثقافة بالفكر الغربي. يعد واحداً من أبرز أعلام الشناقطة في القرن العشرين. كانت ثقافته مزيجاً من الفكر الغربي الحديث ، والفكر العربي الأصيل، وقد ترك أثراً ثقافياً واضحاً في موريتانيا ، والمغرب ، وفرنسا. ترجمة محمد البيضاوي امتاز "الاديب البيضاوي" بباعه الشعري الواسع ، فكان ينظمه فصيحا وحسانيا ، فهو محمد البيضاوي بن سيد عبد الله بن محمد بن أمانة الله الجكني الشنقيطي ، ولد في «چُوكْ» ، وتوفي في مدينة مراكش المغرب. عاش الشاعر صباه إلى شبابه المبكر في موريتانيا، ثم رحل مع أسرته وأسر موريتانية أخرى أثناء المقاومة الشعبية للاستعمار الفرنسي إلى حضرة الشيخ ماء العينين بالسمارة ، ثم إلى مراكش. وقد هاجر إلى المغرب رفقة أسرة أهل ما يابى الجكنيين الذين كانوا يرون في الهجرة عن ارض محتلة من غير المسلمين عملا شرعيا. كما اهتم بتقوية صلاته وثقافته الغربية ، حتى أصبح من أهم عشاق الأدب الفرنسي، ومن أحسن عارفيه والناطقين. التقى الشاعر السلطان العلوي مولاي عبد الحفيظ ولازمه في رحلته إلى الحجاز عبر مصر وعودته منها ، وفي زيارته لفرنسا ودولٍ أوربية أخرى ، وبقيت علاقته بالسلطان وطيدة إلى ما بعد عزله. وقد جمع البيضاوي بين الثقافة المحظرية التي اكتسبها في محيطه الضيق ، وهو محيط علم وأدب. ويبدو أن محمد البيضاوي كان واعيا بحتمية أن تطرح الأجيال اللاحقة سؤالا عن شخصيته الثقافية الفذة ، ولذلك كتب بنفسه ورقة تعريفه الذاتية. يقول عن نفسه : "ولدت في بلاد شنقيط لأحدى عشرة خلت من جمادى الأولى من عام ألف وثلاثمائة وأحد عشر هجرية ، الموافق 1892 م. وتعلمت مبادئ اللغة والإعراب والصرف والسيرة والتاريخ على أخوالي، محمد محمود بن البيضاوي ، دفين (أكردوس) ، وإخوته السيد محمد ، والسيد أحمد ، دفيني (بقيع الفرقد) في المدينة المنورة ، والطالب محمد شهيد (النميلان)، وهو موضع في بلاد شنقيط ، وأمي خديجة بنت البيضاوي دفينة (المقبرة السهيلية) بمراكش ، وجدتي للا فاطمة بنت الطالب أحمد دفينة (السمارة) بالساقية الحمراء. "ومن هذه المواضيع يعلم أن وطني الحقيقي هو بلاد الإسلام جمعاء ونسبنا هو العلم ، فقد وجدنا في الإسلام حيثما توجهنا وأينما حللنا وطنا رحبا ، ومن العلم ركنا آويا". توفي في تارودانت التي كان باشا عليها في 11 محرم عام 1365هـ 1945 م ونقل إلى مراكش ودفن بها بمقبرة باب اغمات. تقليد الوظائف: فكان بعد استقراره في المغرب قادما من شنقيط , يعمل كاتباً للسلطان عبد الحفيظ بعد عزله ، وقيِّما على خزانته ، كما تصدَّر للتدريس في الجامع الكبير بطنجة، وكان خطيبه، كما خطب ودرَّس في أماكن متعددة ، وألقى دروساً في الزاوية التجانية. وعمل مدرسا للغة العربية - بالمغرب ـ بالإضافة إلى اشتغاله بالكتابة والترجمة وشارك في تحرير جريدة «السعادة» بالرباط ، كما شغل عدة مناصب قضائية ، ثم شغل باشوية تارودانت من عام 1932م. مضامين النص عند الأديب محمد البيضاوي بزغ نجم محمد البيضاوي (1311 هـ - 1892 م) – (1365هـ - 1945 م) أولا في مجال الشعر، فقد كان تواجده بالمملكة المغربية في فترة حرجة من النضال ضد الاستعمار الفرنسي ، وبذلك شكل رفقة مجموعة من الشعراء ضمن حركة شعرية رائدة ، جاءت لترسم الوجه الشعري للحركة السلفية التي كان يقودها المصلح أبو شعيب الدكالي تلميذ ولد التلاميد ، وهي الحركة التي دعت للعودة إلى الأصول من أجل انبعاث الأمة المغربية من جديد. لقد ساهمت ثقافة البيضاوي التي أوردها في سيرته الخاصة - التي اقتطفنا منها مقطعا في بداية هذا المقال- في تكوين بنية نصه الشعري الذي يمنح شكله من نصوص الشعر العربي القديم. وقد درج كثيرا على العناية بالمقدمات ، وغرضها ، وإلى المحسنات اللفظية والدراية اللغوية ، والاهتمام بسلامة اللغة ولو على حساب المعنى. وبسبب هذه الخلفية ، كان البيضاوي هدفا لسهام النقاد في عصره ، فتتالت المقالات النقدية التي تصفه بالضعف ، والرتابة والتعمق في التقليد. وقد تزعم هؤلاء النقاد محمد ابن العباس القباج صاحب الكتاب المشهور ( الأدب العربي في المغرب الأقصى ) الذي كان ينشر مقالاته النقدية ضد البيضاوي باسم مستعار هو ( ابن عباد ) وذلك في مجلة " المغرب " الصادرة في ذلك الوقت. أما ردود البيضاوي النقدية ، فكان ينشرها في الجريدة التي عمل محررا بها وهي جريدة أسبوعية عربية اسمها " السعادة " أسستها المفوضية الفرنسية في طنجة في أكتوبر 1904. كان البيضاوي واحدا من الشعراء الذين أطلق عليهم في المغرب اسم " الشعراء الصحراويين " وهي تسمية أصبحت اليوم تحمل شحنة سياسية واضحة ولم يسلم منها أي شاعر من شعراء الإقليم الشنقيطي بدء بولد رازكة وانتهاء بصاحبنا. ويرى الدكتور عباس الجراري إن اتكاء هؤلاء الشعراء على النموذج القديم منعهم من " إحداث تطوير في الشعر العربي بالمغرب ، ربما بحكم ظروف العزلة التي كان الاستعمار قد احكمها لفصل الإقليم الصحراوي عن بقية المغرب ، ويبدو أن هؤلاء الشعراء لم يعنوا بهذه الإشكالية وهم يحاولون تطوير شعرهم والتفتوا إلى التراث مباشرة ، كما وجهوا اهتمامهم للشرق وما كان يفد من إنتاج شعرائه الإحيائيين متخذين إياهم النموذج والمثال. ولهذا نجد البيضاوي حاضرا لتأبين أمير الشعراء احمد شوقي عام 1932 بقصيدة ألقاها في الحفل الذي أقيم بتلك المناسبة في مدينة فاس وبمشاركة شعراء من جيله من بينهم عبد الرحمن بن زيدان وعلال الفاسي. يقول في مطلع قصيدته شعر صريع والبيان قتيل فمصانع القول البديع طلول وزهور بستان المعارف ذبل وكواكب الخلق العظيم أفول فمن نصوصه الادبية نختار هذه القصيدة ، وهي في ذم الجهل ذوو الجهالة في هذا الورى عدم محض وإن كل في إحصائها القلم لا يفهقهون وإن كانوا بأفئدة صم وليس على آذانهم صمم عمي وإن كان في أحداقهم بصر بكم وإن بان من أفواههم كلم لو فكروا لاستبانو أنهم نعم بل هم أضل ولكن النهى قسم فزينة العمر شين وانتباهته نوم وصحته في ذاته سقم والقلب ماز به الانسان خالقه لكنه دون عقل مضغة ودم من فاته نور علم تستنير به أبصارهم في دجى الجهل البهيم عم فهو الجلاء لمرآة العقول إذا تراكمت فوقها الادواء والظلم مصالح الدين والدنيا به انتظمت فالخير منتشر منه ومنتظم إن السنين إذا أضنت بمولد ذي فهم وإن كثرت أبناؤها عقم من لم يبيض بسيما العلم جبهته يندم إذا ابيضت الاذقان واللمم وحق للمزدري علما يسود به والرأس أسود أن يعتاده الندم والجيل إن يخل من علم حقيقته لا شيء فهو سراب مر او حلم إن عد لم يحص ما لله من نعم ونعمة العلم لم تعدل بها النعم ما أحسن الجوهر العلمي ينشره وقد تلقته أيدي الطالبين فم وأبهج المجلس الدرسي يشهده أشتات قم لنفي الجهل تلتئم بني عشائر أخى الدرس بينهم فيا لها رحم ما مثلها رحم لا يكسب العلم إلا من تعلمه وما تعلم إلا من له همم بني المغاربة الغر الكرام تعلــــــــــــــموا فبينكم المدراس والنظم قد تدلت قطوف العلم دانية وطاب للورد منه المشرب الشبم بالامس في الغرب مرفوع له خطر واليوم في الحوز منصوب له علم ففي هذه القصيدة يمثل الشاعر في شعره المزج بين القصيدة القديمة ومفاهيم الشعر الحديث ، فهو من رواد شعر الإحياء المجددين، خاصة في منطقة المغرب العربي. يبرز في شعره التأثر بالبيئة الصحراوية التي ولد الشاعر فيها ، كما عاش مراحل من عمره في الجنوب المغربي. وقد طرق من موضوعات الشعر: المديح ، والرثاء ، والغزل ، والحنين ، والإخوانيات ، والحث على العلم ونبذ الجهل، ومواكبة المستجدات الحضارية. مراجع الدراسة: سيد محمد عبدالله ولد بزيد: معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي - منشورات سعيدان - سوسة (تونس) 1996 ماء العينين بن العتيق: الرحلة المعينية - (تحقيق محمد الظريف) - نشر المعارف الجديدة - الرباط 1998 محمد يوسف مقلد: شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون - مكتبة الوحدة العربية الدار البيضاء، بيروت 1962 .
| Langue: Arabe |