هكذا تكلم محمد بنسعيد
هكذا تكلم محمد بنسعيد. محمد بنسعيد أيت إيدر. منشورات مركز محمد بنسعيد أيت إيدر للأبحاث والدراسات الطبعة الأولى 2018. اعداد وإخراج عبد الرحمن زكري. عدد الصفحات:427 هذا الكتاب هو شهادة تاريخية مهمة وهو يجعل المسافات الزمنية البعيدة التي طوتها المملكة المغربية تبدو قريبة، هي شهادة رجل مشهود له بالتواضع والوضوح والنضال وهي تغطي زمنا امتد لعقود من 1925الى ما بعد حركة عشرين فبراير. قام عبد الرحمن زكري بمجهود مشكور في تقديم الكتاب وتعزيزه بالصور وفهارس الأعلام والأمكنة والتنظيمات والمؤسسات والقبائل واضافة شهادات قيلت في حق محمد بنسعيد ايت ايدر، وقد برأ معد الكتاب ذمة بنسعيد من كل الاضافات. ويبقى النص الذي كتبه بنسعيد موسوما ببساطة وعفوية وهدوء وحكمة الرجل وقد استهل الكتاب بنشأته يتيم الأم فترة الاستعمار وركز على ارهاصات تشكل الوعي السياسي والثوري لديه بدءا من المظاهرات الشعبية المؤيدة لمحمد الخامس الى انتمائه لحزب الاستقلال واعتقاله من طرف الحاكم الاستعماري ثم مساهمته في تشكيل خلايا المقاومة بالجنوب وبناء جيش التحرير متنقلا بين الشمال والجنوب. واشار بنسعيد الى اخفاقات جيش التحرير والى انتصاراته(هزيمة أدرار-انتصار بير موكرين) وتوقف عند ما كبده هذا الجيش في الصحراء للاسبانيين في معركة تافودارت وثورة أيت باعمران. بنسعيد وهو يستجلي هذه الصفحات لم يبرز دوره بشكل مباشر وهو طبع تواضعه فواضح ان دوره كان قياديا واساسيا واعتقد مما هو مفهوم بين السطور ان الجبهة الداخلية في جيش التحرير كانت الاصعب فبنسعيد صرح بوجود خيانات وبانه كاد يغتال. واجد ايضا انه كان موضوعيا وهو يستحضر تقريرا عن معركة ايكوفيون بحيث اشار الى استماتة جيش التحرير وفي الان نفسه إلى قوة التحالف الفرنسي الاسباني الذي اضطر المقاومة الى التراجع. وشهادة أيت إيدر حول مسار انهيار جيش التحرير من اهم الشهادات التاريخية، وهي ربما الاكثر وضوحا رغم انها لم تتوقف عند التفاصيل وتتجلى اهميتها ايضا في كونها تشير الى وضعية الجيش بصراحة فقد مزقته الخيانات من الداخل واما علاقته بالحزب وبالقصر فقد بعثرته. وبتحسر كبير يتحدث بنسعيد عن فترة مطلع الاستقلال فيرى فرص مهدورة كثيرة ومواجهة خاسرة مع الملك وانشقاقات في حزب الاستقلال واحداث دراماتيكية من اغتيال المساعدي ومحاولة اغتيال ولي العهد وحل جيش التحرير وتمرد عدي اوبيهي واحداث الريف واسقاط حكومة عبد الله ابراهيم. اهمية شهادة بنسعيد تنبع من كونه ضل حاضرا في مختلف المحطات السياسية للمغرب المعاصر منحازا للطرف الاكثر ثورية والى جانب اليسار الجدري فعاش وحكى عن الاتحاد الاشتراكي وعن مؤامرة 63 والحكم عليه غيابيا بالاعدام وكأن ايت ايدر يريد القول انه كان يمثل جناح الحمائم في اقصى اليسار في 23 مارس..ودائما ما يربط بين الثورية والسلمية فهو من دعاة التغيير الجدري الهاديء.. فر الى الجزائر مع مجموعة من المغضوب عليهم وهناك تباينت المواقف الى درجة صعوبة تحديد الولاء والخيانة للوطن..ويبدو ان تسارع الاحداث حال دون الصدور عن مواقف ناضجة..كذلك فان غطرسة وجبروت النظام جعل مواقف زعماء الحزب المعارض الاتحاد الاشتراكي موزعة بين معارضة سلمية او معارضة مسلحة. بين معارضة سرية او علنية..ولا شك ان بنسعيد في هذه المرحلة كان حركيا ولكن شهادته لا تكشف كثيرا من البياضات وجاءت مختزلة ومعترفة بحجم الضغوطات التي واجهها قدماء جيش التحرير وصريحة فيما يخص مسؤولية الملك الراحل الحسن الثاني. ويبدو ان حياة بنسعيد الشخصية ايضا تعرضت لارتجاج قوي فقد فر الى فرنسا وغير هويته ودخل مصحة نفسية. وعلى مستوى اخر القت هذه الشهادة الاضواء على قضية الصحراء منذ كفاح جيش التحرير بالصحراء وموقف 23 مارس وتجربة أنوال الصحفية والتي اقبرت من داخلها بعد مسار حقوقي حافل وتجربة البرلمان. وربما هذه المرحلة كانت بعد العودة من المتفى وعفو الملك الحسن الثاني عن السياسيين المعارضين وقد تميزت بحفاظ بنسعيد على مبادئه وفي نفس الوقت على اخذ الحذر والحيطة في مناخ يحتاج الحكمة السياسية اكثر من الاندفاع المتهور فكان موقفه من عدم تقبيل يد الملك وموقفه من فضح معتقل تازممارت تحت قبة البرلمان ومن جانب اخر مارس بنسعيد العمل السياسي تحت سقف واطيء جدا اقصى ما وصل اليه هو الكثلة الديمقراطية التي قدمت مذكرة اصلاح تجاهلها الملك تماما. التاريخ السياسي المعاصر هو سلسلة من الخيبات ولذلك فببعض الانفة والمكابرة يعبر بنسعيد عن كثير من اللحظات المفصلية التي لم تأول بشكل صحيح في لحظتها، وكثير من الأخطاء القاتلة واضعاف السياسي المعارض بسبب عوامل متعددة ذاتية وموضوعية، يسرد بنسعيد وقائع كثيرة في علاقته بشخصيات كثيرة اغلبها من المقاومين الذين ظلوا يحملون السلاح حتى بعد خروج فرنسا واسبانيا ولكن هذه المرة ضد النظام والاستبداد. وهو بنسعيد لا يبرر لكن نحس ان مواقفه اصطدمت في كثير من الاحايين بعدم اقتناع رفاقه التاريخيين سواء في الجزائر او في منفى فرنسا او في المغرب. لا نحب ان تبدو شهادة هذا الماضل المعروف بوضوحه وصلابته منقوصة بسبب مناخ سياسوي يفرض ما يجب ان يقال وما لا يجب..حكمة ورزانة بنسعيد لن تعفيه من المباشرة والصدح بحقائق يجب ان تبقى للاجيال القادمة..نأمل ان يتميز الجزء الثاني بالبوح والكشف فهناك الكثير مما يحتاج الى تعرية ومواجهة
| Langue: Arabe |