بنية الثورات العلمية
ترتكز فلسفة كون حول ما يسمى ب"النموذج الإرشادي" وهو مجموعة المعتقدات والأساليب التي يتبناها المجتمع العلمي في مرحلة ما، وبلوغ نظرية ما مرتبة النموذج الإرشادي يعني أنها أفضل من منافسيها في نظر المجتمع العلمي، وأنها قدمت إجابات على مشاكل لم تستطع سابقتها حلها، واستحدثت وفسرت ظواهر جديدة ما كان بإمكان سابقتها استحداثها. ولكن لا يعني ذلك قدرتها على حل كافة المشاكل، ركز كون صراحةً على الإتفاق المجتمعي. أما بخصوص العلم القياسي، فهو العلم الذي يرتكن على أساس النموذج الإرشادي وينمو بداخله، إنه العلم الذي يؤول الطبيعة وظواهرها داخل إطار يرسمه ويحدده النموذج الإرشادي بواسطة مجموعة من القواعد، ويصر كون على إمكانية نمو العلم القياسي بدون هذه القواعد ولكن ليس بدون نموذج إرشادي، إن المحاولات العلمية القديمة التي لم تكن مؤسسة على نموذج إرشادي واضح يلتف حوله الجميع بدت أشبه بمحاولات فردانية تائهة بين الرد على غيرهم وبين السير قدما، ويستشهد كون بالمحاولات الأولى لتفسير الكهرباء لتوضيح طبيعة العلم في حال غياب نموذج إرشادي، وإن كنا نحن نعلم جيداً أن العلم خلال حقبة الحضارة الإسلامي -باستثناء الفلك- ينطبق عليه ذلك. يواجه العلم القياسي مشاكل، إلا أن طرق حل هذه المشاكل لا تتسم بالإبداع ولا الاستحداث، بل على العكس فالعلماء يحاولون جاهدين إيجاد تفسير لهذه المشكلات بداخل النموذج الإرشادي وقواعده، النموذج الإرشادي يرسم هنا صورة الحلول والحدود التي لا ينبغي تجاوزها، لذلك فإن الحلول المطروحة دوماً ما تتسم بقتل الإبداع والرتابة وأي شذوذ عن النموذج الإرشادي إنما يمثل خطأ العالم، يسمي كون هذه المشاكل بالألغاز وذلك بسبب أن صورة حلها تكون سابقة على محاولة الحل، بل تكون هي غايته، إلا أنه وبالطبع فلن يصمد النموذج الإرشادي أبد الدهر، حيث سنصل لبعض المشكلات المستعصية على النموذج الإرشادي، ولا يتم ببساطة التخلي عن النموذج الإرشادي بل يتم تدعيمه بكافة الوسائل. وهذه المرحلة التي تسمى بمرحلة الأزمات تشبه إلى حد ما مرحلة ما قبل النموذج الإرشادي حيث تخرج العديد والعديد من النظريات المتنافسة لتحل محل النموذج الإرشادي القديم، وغالباً ما يكون دعاة النموذج الإرشادي الجديد من الشباب والمحدثين ممن لم يتشربوا النموذج الإرشادي القديم، وهو ما يتفق مع فكرة كون عن إرساء تطور العلم على أسس سوسيولوجية وسيكولوجية. يختلف كون عن بوبر وعن الوضعيين في رؤيته لموضوع التحقق من النظريات وطبيعة العلم القياسي حيث يراه كون ينمو بداخل النموذج الإرشادي ولا يحاول تكذيبه حتى تظهر الأزمات والثورة العلمية فيتبدل النموذج الإرشادي، في حين يرى بوبر أن كل كشف علمي ثورة تكذب ما قبلها، وهو حقيقةً ما تكذبه الوقائع التاريخية التي تسلح بها كون ببراعة ويرى كون أيضًا صعوبة تكذيب نظرية ما بشكل قاطع. ولا يحاول العلم القياسي مطابقة نتائجه بالواقع كما ادعت الوضعية ولو حتى بشكل احتمالي بل مطابقتها مع مباديء النموذج الإرشادي، يشبه كون التحقق الإحتمالي بالانتخاب الطبيعي الذي ينتقي الأفضل بحسب بيانات وظروف معينة، وليس الأفضل عامة، ويدعي كون أن التحقق الإحتمالي والتكذيب يتجليان في عمليتي الأزمات والثورة. تمثل الثورة عند كون تغييرا في النظرة إلى العالم، فالباحث لا يزال يرى العالم بعد وقبل الثورة العلمية كما هو، إن الثورة عند كون تؤدي لتغيير في المعطيات الحسية نفسها وليست في طرق معالجتها، وقد استشهد بإمكانية ذلك ببعض التجارب الجشطالتية والنفسية، يقول كون بأن النماذج الإرشادية تستخدم مصطلحات مختلفة وتحاكي عوالم مختلفة بالتالي فإن تلك النماذج الإرشادية غير قابلة للقياس على بعضها البعض، وحتى إن اهتمت بنفس المصطلحات والأمور فإنها أيضاً تنظر إليها من منظور مختلف، فكتلة آينشتاين ليست ذات كتلة نيوتن نفسها، بالتالي فالحوار المتكافيء بين نموذجين إرشاديين مختلفين هو لغو. تعرض وجهة نظر كون تاريخ التطور العلمي بأنه تاريخ التحولات بين النماذج الإرشادية، وليس تاريخ التقدم المطرد، فالتقدم لا يحدث إلا داخل النموذج الإرشادي الواحد تحت اسم العلم القياسي، بينما يعلم الجميع أن الوجهة العامة هي وجهة النظر التي تنادي بالتقدم المطرد والاقتراب من الحقيقة التي تبدو وكأنها المطابقة مع الواقع، إلا أن آراء كون تخالف ذلك. ويعرض كون الأسباب متمثلة في سلطة الكتب الدراسية من إخفاء الطابع الثوري والتاريخي للعلم ويطرح كون تساؤلا هاما طالما طرحته، لماذا يظهر التقدم في العلم ولا يظهر في سواه من النشاطات البشرية؟ إن ذلك يبدو بسبب تماسك المجتمع العلمي وتسليمه بالنموذج الإرشادي حيث يبدو التبدل في النموذج الإرشادي وكأنه تقدم مطرد، بينما تبقي النشاطات الأخرى على نماذجها الإرشادية القديمة.
| Langue: Arabe |